الشيخ اسماعيل الصالحي المازندراني

44

مفتاح الأصول

أمّا الأصول العمليّة النّقليّة ، فلأنّها ليست قواعد علميّة ممهّدة لاستنباط الأحكام ، بل هي قواعد وأصول عمليّة مقرّرة لتعيين الوظائف العمليّة ، وإخراج الشّاك المتردّد في موقف العمل ، عن الشّكّ والتّرديد بلا أىّ نظر إلى الواقع ، وأنّه هل هو الحلّ ، أو الحرمة ، أو الطّهارة ، أو النّجاسة ، مثلا ؟ وبعبارة واضحة : أنّ قواعد الاستنباط ناظرة إلى الواقع ، بحيث تصيّر الجاهل به عالما به ، وهذا بخلاف القواعد والأصول العمليّة ، فإنّها ناظرة إلى تعيين الوظائف العمليّة للمكلّف حال شكّه وجهله ، فلا تخرج الجاهل بالواقع من الجهل إلى العلم به ولا تصيّره عالما به ؛ ولذلك سمّيت ب « الأصول العمليّة » وقالوا : إنّها ممّا ينتهي إليه الفقيه في مقام العمل ، بل الأصول العمليّة الشّرعيّة ، كالبراءة والاحتياط الشّرعيّين إرشادات إلى الأصول العمليّة العقليّة . لا يقال : إنّ البراءة الشّرعيّة تدلّ على الإباحة الظّاهريّة ، وهكذا سائر الأصول العمليّة ؛ فإنّها تفيد أحكاما شرعيّة ظاهريّة ، وعلى هذا فالأصول العمليّة - أيضا - تكون من القواعد العلميّة الممهّدة لاستنباط الأحكام . لأنّه يقال : إنّ البراءة الشّرعيّة المستفادة من « حديث الرّفع » فليس في وسعها إثبات الحكم الشّرعي ووضعه ، حتّى يصحّ استنباط الحكم منها ، بل إنّما هي ناظرة إلى نفيه ورفعه ، كما لا يخفى . وأمّا الأصول العمليّة العقليّة ، كالبراءة والاشتغال العقليين ، فلأنّها - أيضا - كالنّقليّة قواعد عمليّة قرّرت من ناحية العقل ، لتعيين وظيفة الشّاك في موقف العمل . وتوهّم كونها ناظرة إلى الأحكام الظّاهريّة ؛ مندفع - أيضا - بأنّ مثل البراءة ليس في وسعها إلّا التّأمين ورفع العقوبة ، فهو من الأصول المؤمّنة ، المرخّصة